محمد متولي الشعراوي

719

تفسير الشعراوي

حدثت أقضية بعد تطبيق التشريع لم تكن في بالهم ساعة شرعوا ، وذلك لقصور علمهم عما يحدث في الكون من القضايا التي تضطرهم وتلجئهم إلى أن يعدلوا القانون . فتعديل أي قانون بشرى معناه حدوث أقضية لا يوجد لها تكييف في القانون عند التطبيق ؛ فيلجأ المشرعون إلى تعديل القانون ، ليضعوا فيه ما يتسع لهذه الأقضية . ولكن الحق سبحانه وتعالى ساعة قنن . . فهو يقنن تقنينا يحمل في طياته كل ما يمكن أن يستجد من أقضية دون حاجة إلى تعديل ، ولأن الإسلام جاء منهاجا خاتما ولا منهج للسماء بعده ، لذلك كان متضمنا كافة الاحتمالات . لقد كان من المعقول تعديل التقنينات عندما كانت الرسل تتوالى ، لكن عندما ختم اللّه رسالات السماء بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان لا بد أن تكون التشريعات التي أنزلها اللّه على رسوله تحمل في ذاتها ضمانات تكفل ذلك . إذن ، فالضرورات التي اقتضت المشرع الوضعي أن يعدل قانونا غفل عن جزئياته ساعة وضعه الأول ، مثل هذه الأمور لا توجد في تشريعات السماء ، لأن اللّه يعلم الأقضية التي تجىء . وهب أن الضرورة التي تستلزم التعديل لم تكن موجودة ، وبعد ذلك جدت ضرورات ، أكان الحق يميت خلقه لأنه قال : لا تأكلوا الميتة ؟ عندئذ كنا سنقول : ما هذه الحكاية ؟ صحيح الميتة ستضر ، وإنما المخمصة والمجاعة ستميت ، فلماذا لا نتحمل أكل ما يضر بدلا من أن نمتنع عن الأكل فنموت من الجوع ؟ إذن فهي عدالة الحق التي قالت : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » فالإضطرار له شرط هو : « غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ » . وغير باغ يعنى غير متجاوز الحد ، فيأخذ على قدر حاجته الضرورية ، مثلا ، لا يقول : إن اللّه أحل الميتة لمثل ما أنا عليه من الاضطرار ويملأ بطنه منها ، لا ، إن عليه أن يأخذ على قدر استبقاء الحياة . ولا يظنن أن ذلك يصبح حلالا ؛ بل يقول : إن هذا حرام أبيح للاضطرار . وأيضا لا بد أن نلحظ قيمة الحقوق المتعلقة بالآخرين ، هب أن إنسانا يملك فنجان ماء لا يكفيه إلا ليروى حلقه ، وبعد ذلك جاء شخص آخر مضطر وقوى وضربه ليأخذ منه هذا الفنجان . نقول لهذا المعتدى : لا تعتد لأن للملكية سبقا ،